د. فؤاد عبد المنعم رياض ـ

في رسالة من استراليا من الشيخ الأزهرى الدكتور مصطفى راشد إلى الدكتور خالد منتصر: أكد الشيخ الجليل أن تدوين الدين في بطاقة الهوية أمر “لا صلة له بالشرع من قريب أو بعيد لأن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل كما قال الإمام حسن البصري والكتابة في الأوراق لا تثبت حقيقة الإيمان…”

إن هذا التصريح من شيخ جليل المقيم خارج مصر يدعم موقف كافة الواعين بحقوق الانسان التي تحتم المساواة بين المواطنين وعدم التفرقة أو التمييز بينهم على أساس الدين، وهذه التفرقة لا تشكل فقط خرقا صريحا للدستور المصري الذي ينص على المساواة بين جميع المواطنين ويحظر أي تمييز قائم على الدين بل تعد بمثابة جريمة دولية تم النص عليها في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كما نصت كافة المواثيق الدولية على إدانتها وتحريمها.

ويحضرني في هذا المقام العديد من حالات التمييز الديني والأضرار المترتبة على ذكره في بطاقة الهوية، من ذلك قيام شركة كبرى بفصل أحد كبار موظفيها الذي عمل بها لمدة 10 سنوات بعد أن اكتشفت من بطاقته الشخصية أنه غير مسلم ولم تكن تعلم ذلك من قبل لتشابه إسمه مع أسماء المسلمين.

وقد طالب المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي قام بالتحقيق في هذا الأمر بإدانة هذا الفصل المخالف للدستور وطالب الحكومة بدفع تعويض إزاء هذا الفصل وقررت الحكومة فعلا تعويصه بمبلغ نصف مليون جنيه ولكنها تقاعست عن تنفيذ ذلك وهناك أمثلة لا حصر لها في هذا المجال تتككر كل يوم في كافة المجالات.

وقد سبق أن طالب المجلس القومي لحقوق الإنسان إلغاء خانة الديانة ولكن لم يتم الإستجابة لطلبه. كذلك طالبت الجمعية المصرية للقانون الدولى إبان رئاستي لها إلغاء خانة الديانة ولكن هذا الطلب رفض أيضا من جانب الحكومة. غير أن جامعة القاهرة برئاسة الدكتور جابر جاد نصار قامت بإلغاء خانة الديانة من جميع أوراقها الرسمية واعترض وزير التعليم العالى على ذلك ولكنه لم يستطع إلغاء قرار الجامعة نظرا لتمتع الجامعة بالاستقلال الذاتي عن السلطات الحكومية.

وعندما طرح الأمر على مجلس النواب طالب ممثل الحكومة عدم إلغاء خانة الديانة.
بحجة أن الإبقاء على هذه الخانة أمر يتطلبه الأمن القومي. وإذا كان إلغاء خانة الديانة التي تفرق بين المواطنين وتميز بينهم بسبب الدين أمر ضروري للأمن القومي فلا شك أن هذه الحجة تسري من باب أقوى بشأن المجالات الأخرى التي تتقاعس فيها الدولة عن وضع حد للتمييز ضد الأقباط كبناء الكنائس أو ترك المجاس العرفية تتحدى القانون والقضاء أو عدم تعيين أقباط كمحافظين أو رؤساء جامعات إلخ ..

ولكن ما هو المقصود بالأمن القومي في هذا المقام ؟؟
إن سلطات الدولة تدرك تماما ما وصل إليه فريق كبير من المواطنين المصرين المسلمين خاصة البسطاء وذوي التعليم السطحي – الذي هو أخطر من الجهل – من تعصب ديني منذ الثمانينيات الذي اسفر عن تفتيت المجتمع وزيادة الفجوة بين المواطنين بسبب الدين كما أدى إلى إدانة المجتع الدولى بأسره لعدم حماية الدولة للأقباط وقمع المعتدين وتوقيع الجزاء اللازم الذي يفرضه القانون. ويبدو أن الدولة ترى أن عدم تمتع الأقباط بكافة حقوق المواطنة كما هو الحال الآن أخف ضررا من المواجهة الدامية المبنية على التفرقة الدينية والتي قد تؤدي إلى نتائح خطيرة تصيب كيان الدولة ذاته.

غير أنه يجب أن نتنبه إلى أن تضحية الدولة بحقوق فريق من المواطنين في سبيل استقرار الأمن أمر يقف عقبة في طريق تقدم مصر لتكون دولة مدنية حديثة بل أن تكون دولة بمعنى الكلمة أي قادرة على حماية كافة مواطنيها وعدم إهدار حقوق فئة منهم في سبيل تحقيق الاستقرار.

ولعل الوقت قد حان لتفرض الدولة سلطتها وتضع حدا لما تم منذ الثمانينيات من تفتيت لمجتمع الدولة بسبب الدين وتضرب بيد من حديد أي فئة لا تلتزم بقوانين الدولة وأي مئسسة من مؤسسات الدولة التي تهدر حقوق الإنسان وتخرق مبدأ المساواة بين المواطنين.

https://www.facebook.com/fouad.riad1/posts/1478794635531164