مجدى خليل ـ

حتى تكون الأمور مُحَدَّدة وواضحة ومَنعًا للالتباس نقول ونُقِرّ بوجود قضيّة مصريّة وقضيّة قبطيّة، فهناك قضايا تخصّ كلّ المصريّين معًا، وهناك قضايا تخصّ جزءًا من مكوّنات النسيج الوطني كالأقباط والمرأة.

فما هي أركان هذه القضية القبطية؟

تتشكّل القضيّة القبطيّة من ثلاثة أركان:

الرُّكن الأوّل: الأقباط أقلّيّة دينيّة:

بدون مبالغة أستطيع أن أسرد أكثر من مائة تعريف لمفهوم الأقلّيّة تنطبق جميعها على الأقباط، ولكن بالطبع المساحة هنا لا تستوعب ذلك، وحتى لا ندخل في جدل واسع حول مفهوم الأقلّيّة سنكتفي ببعض هذه التعريفات فقط وِفقا للتمايُز الظاهر ولوضعيّة الحقوق.

تُعَرِّف الموسوعة البريطانيّة الأقلّيّات بأنّهم “جماعة من الأفراد يتمايزون عِرقِيًّا أو دينيًّا أو لغويًّا أو قوميًّا عن بقية الأفراد في المجتمع الذي يعيشون فيه”.

وتُعَرِّف الموسوعة الأمريكيّة الأقلّيّة فتقول: “بأنّهم جماعة لها وضع اجتماعي داخل المجتمع أقلّ من وَضع الجماعة المسيطرة في نفس المجتمع، وتمتلك قدرًا أقلّ من النفوذ والقوّة، وتمارِس عددًا أقلّ من الحقوق مقارنةً بالجماعة المسيطرة في المجتمع. وغالبًا ما يُحرَم أفراد الأقلّيّات من الاستمتاع الكافي بحقوق مواطني الدرجة الأولى”.

أمّا الخبير الإيطالي فرانسيسكو كابوتورتي فقد عرّف الأقلّيّة في دراسته المكلّف بها من قِبَل الأمم المتحدة، والتي اعتُمِدَت في المنظّمة الدوليّة بقوله: “الأقلية هي مجموعة أقلّ عددًا بالنسبة إلى باقي السُكّان في دولة ما، وفي مركز غير مُهَيمِن في الدولة التي ينتمون إليها، وتمتلك هذه المجموعة خصائص ثقافيّة طبيعيّة أو تاريخيّة أو دينًا أو لغةً تختلف عن باقى السُّكان، ويُعَبِّرون عن شعورٍ بالتضامن للمحافظة على ثقافتهم أو دينهم أو لغتهم”.

أمّا الخبير النرويجي أسبيرون إيدي فقد أعدّ دراسة للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عام 1989 واعتمدَتْ اللجنة تعريفه الذي جاء فيه “يُقصَد بالأقلّيّة كلّ مجموعة من الأشخاص المقيمين في دولة ذات سيادة، ويشكّلون أقلّ من نصف السّكان في المجتمع الوطني ويتمتّع أفرادها بخصائص مشتَرَكة عامّة ذات طبيعة إثنيّة أو دينيّة أو لغويّة تميّزهم عن باقي السُّكان”.

أمّا سعد الدين ابراهيم فيُعَرِّف الأقلّيّة في موسوعته القيّمة “المِلَل والنِحَل والأعراق” بأنّها “أيّة مجموعة بشريّة تختلف عن الأغلبيّة في واحد أو أكثر من المتغيّرات التالية: الدين أو اللغة أو الثقافة أو السُلالة”.

وَجَب التنويه أنّ وضع الأقلّيّة لا ينفي كونَ الأقباط جزءًا من النسيج، أو مُكَوِّنًا من مكوِّنات السبيكة، أو كونهم من أصحاب البلد، أو كونهم مواطنين أُصلاء ومن أحفاد الفراعنة، أو كون جذورهم تمتدّ إلى أعماق التاريخ المصري.

مصطلح الأقلّيّة لا يهين أحدًا ولا ينتقص من شأن الأقباط ولا من شأن المسلمين، بل هو مصطلَح قانونيّ وِفقًا لتعريفات القانون الدولي، تترتّب بناءً عليه التزامات على الحكومة المصرية.. ولهذا فهي تسعى دائمًا إلى إنكاره حتّى تتملّص من هذه الالتزامات في مخالفة صريحة للقانون الدولي.

والجدير بالذكر أنّ أغلب الدارسين النُزَهَاء لموضوع الأقلّيّات في مصر يعرفون أنّ مفهوم الأقلّيّة ينطبق بلا جدال على الأقباط.

الرُّكن الثاني: الأقباط مضطهَدون:

ربّما هناك الكثير من الجدل حول مفهوميّ الاضطهاد والتمييز عند الكثيرين. وقد قُمتُ من ناحيتي بجمع أكثر من عشرين تعريفًا لمعنى الاضطهاد، ووجدتُ أنّ جميعها تنطبق على الأقباط.

الاضطهاد في القانون الدولي هو ببساطة تمييز مستمرّ وممنهّج، وهو جريمة وِفقًا للقانون الدولي. ولهذا يقول القانوني المصري البارز والقاضي السابق بالمحكمة الدوليّة لجرائم الحرب فؤاد عبد المنعم رياض: “جريمة التمييز إذا مورست بشكل منهجي ضدّ فئة محدّدة لأسباب دينيّة أو عرقية أو بسبب الجنس يمكن أن تقع تحت طائلة العقاب أمام المحاكم الدوليّة وتُسَمّى جريمة الاضطهاد”.

وعرّفت المحكمة الجنائيّة الدولية ليوغوسلافيا الاضطهاد في قضية كيوبسك بأنّه “إنكار جسيم وصارخ على أسس تمييزية لحقّ أساسي ثابت في القانون الدولي العُرفي أو الاتفاقي”.

أمّا نظام روما للمحكمة الجنائيّة الدوليّة فعرّف الاضطهاد على أنّه “حرمان جماعة من السُّكّان أو مجموع السكان حرمانًا متعمَّدًا وشديدًا من حقّ أساسيّ أو من الحقوق الأساسيّة، بما يخالف القانون الدولي، وذلك بسبب هويّة الجماعة أو المجموع”،  وأيضًا عرّفت المحكمة الاضطهاد بأنْ “يستهدف مرتكب الجريمة ذلك الشخص أو أولئك الأشخاص بسبب انتمائهم لفئة أو جماعة محدّدة على أسُس سياسيّة أو عرقيّة أو وطنيّة أو إثنيّة أو ثقافيّة أو دينيّة أو تتعلق بنوع الجنس.. ويَستهدِف الفرد أو الجماعة بصفتها تلك”. وأدرجَت المحكمة الاضطهاد كجريمة ضدّ الإنسانيّة وِفقًا للمادة السابعة من نظام المحكمة.

أمّا ويكيبيديا فتُعَرِّف الاضطهاد الديني بأنّه إساءة المعاملة بشكل منتظم لفردٍ أو لمجموعة بسبب معتقداتهم الدينيّة.

بل أنّ ميثاق الأمم المتحدة يَعتبِر الخوف المبرَّر الواقع على الأقلّيّات اضطهادًا حيث ينصّ على “كلّ مَن وُجِدَ نتيجة خوفٍ له ما يبرِّره من التعرُّض للاضطهاد بسبب عِرقِه أو دينِه أو جنسيّته أو انتمائه إلى فئة معيّنة أو بسبب آرائه السياسيّة”.

وحتى لا نغرق في سيل من التعريفات، ومن خلال قراءتي لعشرات المصادر التي تناولت المفهوم فإنّني أرى أنّه إذا كان هناك تمييزًا مُنَظَّمًا ضدّ فردٍ أو جماعة أو أقلّيّة تقوم به حكومة ما، أو تتستّر عليه، أو تتواطَأ مع منفّذيه، أو تُنكِر وجوده، أو تخلِق المناخ الذي يشجّع عليه، أو لا تتعهّد بمقاومته والتخفيف منه، فإنّ هذا يعني اضطهاد هذه الحكومة لذلك الشخص أو تلك الجماعة أو هذه الاقليّة. فالاضطهاد في الأساس هو انتهاك متعمّد لحقوق المواطَنة من قِبَل حكومة ما مع عدم التعهّد بمعالجة هذا الانتهاك.

فالمفروض في التمييز أنّه عارضٌ، وأنّ القانون يقاومه، والحكومة تُصدِر التشريعات وتتصرّف على أرض الواقع بطريقة تُظهِر بوضوح مقاومتها لهذا التمييز، وبخلاف ذلك يكون التمييز اضطهادًا.

الرُّكن الثالث: حقّ الأقباط في اللجوء للقانون الدولي والمواثيق الدوليّة:

ربما يثير هذا الموضوع الكثير من الجدل والخلافات داخل مصر، وهذا الالتباس يعود إلى خلط الكثيرين في مصر بين التدخل الأجنبيّ بمدلوله الكلاسيكي المذموم، والمرتبط بالاستعمار والاستغلال، وبين حقّ المصريّين المُقَنَّن دستوريًّا في الالتجاء إلى القانون الحقوقي الدولي، وكذا مشروعيّة التدخّلات الحقوقيّة من المنظمات الحقوقيّة المهتمّة بالشأن الإنساني الحقوقي حول العالم.

الأقباط لا يطالبون مُطلَقًا بالتدخل الأجنبي في شئون مصر بمعناه القديم المرفوض فهذا يتنافي مع تاريخهم الوطني المجيد الممتدّ، إنّما يطالبون بتفعيل مواد الدستور المصري، التي تقنِّن حقّهم المشروع في الالتجاء للقانون الحقوقي الدولي.

لقد استقرّ مفهوم التدخُّل الدولي المبني على القانون الدولي والمواثيق الدوليّة في الفكر السياسي والحقوقي حول العالم، فالمواثيق الدوليّة كُتِبَتْ لكي تكون نصوصًا فاعلة وليست حروفًا ميّتة، وهي مثلها مثل الدساتير المحلّيّة تترتّب عليها حقوقٌ والتزامات عالميّة.

الجدال الحكومي حول هذه المواضيع هو تضييع للوقت وهروب من المسئوليات، وفوق ذلك هو مخالفة صريحة للقانون الدولي.

هذه هي أركان القضيّة القبطيّة، وهي قضيّة بكلّ معاني الكلمة وليست موضوعًا أو مجرّد مجموعة هموم أو مسألة قبطيّة أو شكاوى.. كلّ هذه التوصيفات هي أعراض للقضيّة، فطبيعيٌّ أن ينتُج عن القضيّة شكاوى وهموم يوميّة يعاني منها الشخص القبطيّ.

أركان القضيّة الثلاثة يمكن تلخيصها في جملة واحدة هي: انتهاك جسيم لحقوق المواطنة. ولكن هذه الجملة ليست كافية ولا تمثّل وصفًا لأبعاد القضيّة ومِن ثمّ وجب إبراز أركانها الثلاثة.

إسقاط رُكن أو أكثر من هذه الأركان معناه إسقاط القضيّة ذاتها، فإذا جاء شخصٌ ونفى كون الأقباط أقلّيّة أو كونهم مضطهَدين أو نفى حقّهم في الحماية القانونيّة المحليّة والدوليّة التي يكفلها لهم الدستور المصري ذاته والمواثيق الدولية، فمعنى ذلك أنّه يُسقِط أو يُضعف القضيّة القبطيّة برُمَّتها، لأنّ ذلك يعني أنّ ما يحدُث للأقباط يحدث في الـ 193 دولة المسجّلة كأعضاء في الأمم المتحدة.. فلماذا يشتكي الأقباط إذن إذا كانت مشكلتهم هي مشكلة بسيطة يوجد مثلها في كلّ دول العالم؟ وهذا ما تكرّره الحكومة المصريّة بأنّ ما يحدث للأقباط هي مسائل بسيطة تحدُث في كلّ العالم.

ولكن لأنّ هناك الكثيرون في العالم يحترمون العِلم ويحترمون القانون الدولي ويحترمون حقوق الإنسان ويحترمون الحقيقة قبل كل شيء، فلهذا يَعلمون جيّدًا ويقولون عَلَنًا أنّ الأقباط أقلّيّة مضطَهَدة، وأنّ لهم حقوقًا دوليّة مقرّرة بناءً على وضعهم هذا…. قضيّة الأقباط واضحة عالميًّا ولكنّها ليسَت معترفًا بها عند أصحاب السُّلطَة في مصر، وهناك تشوُّش في ذهن البعض من أصحاب الشأن ذاتهم.

وها نحن ننبّه الأقباط أن لا يقعوا فريسة للضغوط أو المجاملات أو الاستسهال لنفي وإضعاف قضيّتهم كلّها، وذلك بإنكار أحد أركانها.

القضيّة القبطيّة قضيّة مكتمَلة وواضحة المعالم، وتنتظر فقط من يتبنّاها من المسلمين والأقباط، لأنّه لا يمكن تحقيق أيّ إنجاز في القضيّة المصريّة الكُبرى المتعلِّقة بالتقدُّم وبناء مصر المستقبل بدون حلّ لهذه القضيّة القبطيّة.

على أرضيّة المواطنة الحقيقيّة والهويّة المصريّة الأصيلة لا توجد مشاكل بين المسلمين والأقباط، ولكن عندما تُنتَهَك المواطنة وتتحوّل إلى اضطهاد مُزمِن لمجموعة بشريّة، وعندما يتمّ طَمْس الهويّة المصريّة لصالح هويّة إسلاميّة عربيّة بدويّة وافدة، فإنّ هناك قضيّة بالتأكيد، والكفاح من أجل هذه القضيّة هو كفاح من أجل المواطنة في نفس الوقت، ولهذا فإنّ العمل على حلّ القضيّة القبطيّة هو عمل من أجل قضيّة المواطنة والتقدم فى مصر، وإنكار وجود قضيّة قبطيّة أو تعويمها في القضيّة المصريّة العامّة هو بمثابة ترسيخ لاضطهاد الأقباط وإضعاف لقضيّة المواطنة.

مجدى خليل

Magdi.khalil@yahoo.com

_____________________
Photo Credit: Agence France-Presse