د. عماد جاد – الوطن ـ

كشف الكثير من الأحداث التى مرت بها البلاد على مدار السنوات الماضية عن استمرار عنصر من عناصر وسمة من سمات الشخصية المصرية وهو الاعتدال والمزاج العام القابل للتعدد والتنوع، صحيح أن هذه السمة تراجعت كثيراً اعتباراً من مطلع السبعينات، ولكن هذا التراجع أصاب قطاعات من المصريين وفى الوقت نفسه لم يطمس هذه السمة تماماً. وإذا كان التراجع الذى أصاب المجتمع المصرى يعود إلى هجرة قطاعات من المصريين إلى بلاد النفط والعودة محملين بعادات وتقاليد صحراوية بدوية لم تعرف التعددية ولا التنوع، فإن الإشكالية الجوهرية تمثلت طوال الوقت فى نظام الحكم ومؤسسات الدولة المصرية المختلفة، ففى الوقت الذى ذهب فيه المصريون إلى بلدان النفط من أجل لقمة العيش، فإن النظام فى مصر كان فى طريقه إلى تديين المجال العام فى البلاد وخلط الدين بالسياسة، فالرئيس بات لقبه «المؤمن»، ووصف نفسه بأنه رئيس مسلم لدولة إسلامية وطلب من الإعلام أن يلقب مصر بدولة العلم والإيمان، شكّل وموّل الجماعة الإسلامية لتتصدى للتيارين الناصرى واليسارى فى الجامعات المصرية، أطلق سراح عناصر الجماعة الإرهابية من السجون وسمح بعودة قياداتهم الفارة إلى السعودية، وسلم الجماعة ملف التعليم وسمح لهم بالسيطرة الجزئية على وسائل الإعلام. دخل فى صدام مع الكنيسة المصرية وكال لها الاتهامات ومن بينها السعى لإقامة دولة قبطية، لذلك أدخل خانة الديانة فى عقود البيع والشراء ليراقب الموقف ويرصد حركة شراء المسيحيين للعقارات.

فى كثير من المناسبات التى شهدت توترات طائفية كانت أصابع النظام وأجهزة الدولة بادية للعيان، وكانت عمليات التحريض على العنف تصدر من داخل مؤسسات وأجهزة النظام، تارة للرد على ما اعتبروه تشدد رأس الكنيسة، وتارة أخرى لإخضاع الأقباط وقمعهم والرد على ارتفاع الصوت مطالباً بحقوق المواطن، وتارة ثالثة لتخفيف الضغط عن النظام وإلهاء الشعب فى قضية تأخذ أبعاداً دينية.

خذ على سبيل المثال قصة بناء وترميم الكنائس، وهى قضية بسيطة للغاية وتمثل حقاً من أبسط حقوق المواطن وهو حق ممارسة شعائره الدينية، تركت الدولة الخط الهمايونى الموروث من أيام الدولة العثمانية يتحكم فى بناء وترميم الكنائس على نحو جعل ذلك ضرباً من ضروب المستحيل على النحو الذى ورد فى شروط العزبى باشا، وكيل وزارة الداخلية عام 1934، وأدى ذلك إلى توترات طائفية عديدة فى البلاد أسفرت عن إغلاق بيوت الله وهدم كنائس وتجمعات سلفيين وشباب مغرر به احتجاجاً على صلاة الأقباط فى منزل من المنازل، ويكون مبرر التظاهر والاحتجاج أنكم تصلون بالمخالفة للقانون، ومن ثم لا بد من تطبيق القانون ووقف الصلاة فى بيت من البيوت إلى أن تحصلوا على ترخيص لذلك، وهنا تتدخل الأجهزة الأمنية وتنحاز لوجهة النظر المطالبة بالإغلاق، والحجة هى الحفاظ على السلم المجتمعى. خذ على سبيل المثال أيضاً ما صدر عن تليفزيون الدولة الرسمى إبان مشكلة ماسبيرو، من تحريض على الأقباط ومخاطبة الرأى العام أن هبوا لمساندة قواتكم التى تتعرض للاعتداء من قبَل الأقباط، وهى الفرية التى لم تنطلِ على المصريين فكان التزام البيوت.

وعندما تم الإعلان عن قانون جديد ينظم بناء وترخيص وترميم الكنائس تمت صياغته بخبث شديد وأبقى على القرار النهائى بيد جهاز الأمن الوطنى الذى يتبنى خطاً متطرفاً تجاه كل ما يتعلق بالأقباط، هو جهاز بداخله إدارة لمكافحة التنصير، هو جهاز يفرح ويسعد بأسلمة فتاة مسيحية قاصر، ويساعد على تهريبها إلى أن تكمل السن القانونية حتى يمكن أسلمتها، هو جهاز طائفى بامتياز، وهو المسئول الأول عن غالبية أحداث ووقائع الاعتداءات الطائفية التى يسمونها فتنة.

ما أود التأكيد عليه هنا هو أن الفتن فى مصر صناعة رسمية، سواء ببث أفكار التطرف والتشدد، أو عبر التضييق الرسمى على الأقباط فى كافة أمورهم الحياتية، فى إغلاق فرص الترقى أمامهم، فى حرمانهم من دخول مؤسسات دولة توصف بالسيادية، فى حرمانهم من الحصول على حقوقهم الطبيعية فى الالتحاق بوظائف معينة أو الترقى فى هذه الوظائف.

باختصار، الفتنة فى بلادنا صناعة رسمية، صناعة نظام، صناعة أجهزة أمنية، صناعة جهاز أمن الدولة الذى غيروا اسمه إلى «الأمن الوطنى»، وإذا أردت أن تعرف سبب أى أزمة طائفية فى مصر ففتش عن أصابع ضباط الأمن الوطنى، أمن الدولة سابقاً. وعندما يعطى قانون الكنائس الجديد السلطات والصلاحيات للأمن الوطنى، لك أن تحكم على ما يمكن أن يؤدى إليه ذلك.

وفى تقديرى أن توافر إرادة تسوية هذا الملف لا بد أن تبدأ بنزعه من أيدى جهاز أمن الدولة، فالأقباط ليسوا ملفاً أمنياً فى بلادهم.

_________________

https://www.elwatannews.com/news/details/2737190