ميلاد حنا زكي ـ المصري اليوم ـ

عزيزى زائر معرض الكتاب الدولى، بعشرة جنيه فقط تستطيع أن تقتنى كتابا أو اثنين أو ثلاثة من سور الأزبكية، والتى غابت الرقابة عن كتبه، وتأكد أن ما ستقوم بشرائه من هذا الجناح من كتب من هذا النوع سيحولك فى غضون ثلاثة أيام إلى إرهابى صاحب فكر متطرف، ضد إخوتك وأصدقائك من الأقباط وغيرهم من بعض المسلمين، سيحدث هذا تلقائيا وسيطرأ عليك هذا التحول الكبير دون أدنى جهد منك، أيضا ستجد كتبا تؤهلك وتشجعك على الانضمام إلى صفوف المجاهدين، ستكتشف هذا بنفسك إذا قررت أن تزور معرض الكتاب فى دورته الحالية، ولقد حرصت كل الحرص قبل أن أطلق أحكاما متسرعة أو مغلوطة أو إثارة الظنون فسألت زملاء متخصصين فى الشأن الثقافى إذا ما كانت هناك رقابة وفرز ومراجعة للتأكد من خلو أى من أجنحة المعرض أو دور النشر المشاركة فيه من أى كتب ضارة أو تمثل خطرا على ذهنية شبابنا الصغار، فأكد لى الزملاء المتخصصون فى الشأن الثقافى أنه لا توجد رقابة على أى كتاب فى معرض الكتاب وبالأخص فى سور الأزبكية، واقتصر الأمر على تحرك الهيئة العامة للكتاب إذا ما تلقت شكوى أو تنبيهاً من أحد الزائرين أو المفكرين المشاركين فى فعاليات المعرض بهذا الشأن فتبدأ الهيئة بالتحقيق ومن ثم اتخاذ قرار.

لا يمكننى القطع فى عهد أى من وزيرى الثقافة وجدت هذه الكتب أو تسربت إلى واحد من أهم أجنحة المعرض والذى يستأثر بالنصيب الأكبر من استقطاب زائرى المعرض، هل تم الإعداد لهذا المعرض فى أواخر عهد حلمى النمنم الذى رغم جهوده فى الوزارة إلا أنه لم يضف كثيرا، أم حدث هذا فى بداية عهد الدكتورة إيناس عبدالدايم، الوزيرة الحالية، حيث جاءت لكرسى الوزارة قبل افتتاح المعرض بأيام إن لم يكن ساعات فلم يتسن لها فلترة أجنحة المعرض من مثل هذه الكتب ذات الفكر المتطرف؟

حاولت استيعاب فكرة أن وجود مثل هذه الكتب باعتبارها تعبيرا عن حرية الرأى وعقيدة الاختلاف والقبول بالآخر والرد على الفكرة بالفكرة والرأى بالرأى حيث الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية، لكننى فشلت فى أن أقبل هذه الفكرة، خاصة أن مثل هذه الأفكار الهدامة ذاتها لا تسمع إلا صوت نفسها وتصم آذانها عن مجرد سماع الآخر وليس القبول بفكرة الاختلاف معه، هى أفكار يرى مطلقوها أنهم احتكروا الصواب وكل من خالفوهم على خطأ، ليس هذا فحسب وإنما تلك القناعات المتطرفة وبالتحديد إزاء الأقباط أفكارهم جامدة وثابتة ولا تتغير، حيث فى مجتمعنا مازال الخلل موجودا فى كفتى الميزان حتى إن الأقباط يعانون فى بناء كنيسة، وفى بعض الأحيان يمنعون من الصلاة هنا أو هناك، كما أن بعض الأجهزة فى الدولة تترك الجانى طليقا وتسجن المجنى عليه فى معركة طائفية حتى تنتهى القصة بصلح عرفى وصورى ينتهى بعبارة «بوسوا راس بعضكم ويلا عشان الإعلام يصور.. أو عشان الصورة تطلع حلوة».

للأسف مازالت مصر تعانى من تطبيق وإقرار ورعاية وتثبيت وتعميم فكرة المواطنة الحقيقية ولعل هذا يدفعنا لطرح بعض الأسئلة على أنفسنا خاصة أننا، منذ أيام قليلة مضت، كنا نحتفل بذكرى ثورة 25 يناير، ومن هذه الأسئلة: هل تستطيع الدولة تعيين رئيس جامعة مسيحى أو محافظ مسيحى أو حتى رئيس تحرير لجريدة قومية مسيحى فى الوقت الحالى؟ أعلم أن الأستاذين مفيد فوزى ورشاد كامل كانا رئيسى تحرير صباح الخير؟ ولكن حاليا هل ممكن أن يتولى أحدهما أو غيرهما رئاسة تحرير مثلا جريدة الأهرام؟ وهل يقبل المجتمع ترشح مسيحى للانتخابات الرئاسية؟.. وغيرها الكثير من الأسئلة التى لا إجابة لها فى مصر.

ونهاية لابد من إعادة النظر فى جميع كتب المدارس والجامعات، بما فى ذلك مجال التعليم الأزهرى، مع حذف أى مواد تحض على كراهية المسيحيين أو تشجيع العنف ضدهم، وإلغاء جميع المجالس العرفية وتطبيق القانون بعدالة على الجميع.

كما يجب اتباع منهج «دولة القانون» التى غابت عنها فكرة المواطنة والحريات، وأن يتم منع الكتب المنتشرة فى سور الأزبكية والتى تدعو للتطرف والتعصب «وعلى عينك يا تاجر».

لكن لا يفوتنى فى هذا المقام أن أشير إلى أنه رغم هذه الكتب فإنه يوجد وسط الظلام بصيص نور وهو تخصيص مكان تابع للأزهر لكتب تدعو للتسامح والمحبة وقبول الآخر فى معرض الكتاب بأسعار رمزية ولكن لا يتعين أن يقتصر تداولها فى معرض الكتاب فقط لكن يتعين أن توجد فى مكتبات المدارس والأحياء والمساجد والزوايا التى يصلى فيها البعض، خاصة فى الأحياء العشوائية التى أعطى بعض الناس لأنفسهم الحق أن يكونوا أئمة لمثل هذه المساجد دون رقابة أو مراجعة أو اختيار من وزارة الأوقاف كما يتعين وجود مثل هذه الأفكار المستنيرة والوسطية والتى تؤمن بالاختلاف دون تكفير، يجب أن تكون مثل هذه الأفكار الحضارية والوطنية والإنسانية ضمن مناهج التعليم المدنى والأزهرى.

Melad.hanna@gmail.com

_______________________
http://www.almasryalyoum.com/news/details/1255409