إيليا مقار ـ جود نيوز كندا ـ

قبل شهرين، إستمعت إلى تسجيل لمناظرة جرت منذ حوالي 12 عاماً في نادى الجسرة بدولة قطر بين قطب “علماني” هو الفيلسوف والمفكر د. فؤاد زكريا الذي توفى عام 2010 عن عمر يناهز 82 عاماً وبين الدكتور محمد عمارة الباحث والمحقق “الإسلامي” وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر. كان موضوع المناظرة هو “أزمة العقل العربي”.  أثارت المحاضرة الدسمة بداخلى أفكاراً عن مدى إمكانية وجدوى تطبيق بعض القواعد الفكرية التى طرحها الدكتور فؤاد زكريا –تحديداً- على الحالة القبطية، وعما إن كانت هناك أزمة عقل قبطي بالأساس تختلف عن أزمة العقل العربي حتى يمكن أن نطرحها للنقاش. ولما كانت الإجابة لدى هي “نعم”. فقد رأيت وضع هذه الأفكار في مقال قد يثير لدى المتلقي المهتم أفكاراً أخرى تسهم في خلخلة الجمود والإحتكار الحالي للأسئلة والإجابات فيما يتعلق بالمسألة القبطية.

تحديد المفاهيم

أزمة العقل القبطى تختلف عن أزمة الأقباط

أزمة العقل القبطي تختلف عن أزمة الأقباط. فالأزمات التي يمر بها الأقباط متعددة منها ما يتشاركون فيها مع بقية المصريين كأزمات غياب الديمقراطية والأزمة المعرفية الثقافية والأزمات الإقتصادية وغيرها، ومنها أزماتهم الخاصة كأزمة حرية العقيدة وأزمة المساواة في الحقوق المدنية وأزمة إرتفاع حدة التطرف في الشارع، وأزمة غياب القانون العادل. ثم زادت العمليات الإرهابية من عمق أزماتهم وبالتالي أثارت أسئلة عن مستقبل الأقباط وفرص وجودهم. ولكن طرح أزمة العقل القبطي للنقاش لا يعني مناقشة هذه الأزمات التى يواجهها الأقباط ولكن يعنى بالأكثر القيام بعملية تشريح ونقد لعدد من القواعد التى قد ينطلق منها العقل القبطي عند النظر للمسألة القبطية، وهذه القواعد قد تمثل في حد ذاتها أزمات أو متلازمات تؤثر على تعريف العقل القبطي لمشكلاته وأسبابها وبالتالي طرق مواجتها.

ما هو العقل القبطي؟

ما نقصده بالعقل هنا هو طريقة التفكير والإدراك، وفي هذا، يعتبر الحديث عن وجود طريقة واحدة يفكر بها كل الأقباط تبسيطاً مخلاً، فالأقباط ينتمون -كغيرهم من المصريين- لطبقات إجتماعية وثقافية مختلفة تؤثر في طريقة تفكير كل منهم وإدراكه للإمور. ولكن ما يمكننا أن نضعه مجالاً للنقاش هنا هو طريقة تفكير “النخبة القبطية” المؤثرة بما فيها رجال الكنيسة ورؤية هؤلاء لوجود أزمة من عدمه ثم أنماط مواجهتهم لهذه الأزمة.

الأقباط

من أجل تحديد المصطلح في هذا المقال، سنركز على تعريف الأقباط كجماعة عرقية دينية مسيحية بطوائفها المختلفة تعيش داخل وخارج مصر. وإن كان التوسع في تعريف القبطي ليشمل كل مصرى يرى أن من حقه الإنضمام تحت هذا التصنيف شيئ يجب أن نحترمه. ولكن من المتفق عليه –على الأقل من الكثيرين- أن الأقباط جماعة دينية وربما عرقية مختلفة. تتعرض لمستوى مختلف من التحديات فقط لتمتعها بتلك الخصائص المختلفة. ولو طرحنا سؤالاً إفتراضياً: “هل لو تحول كل الأقباط للإسلام ستختفى أزمتهم كأقباط؟” الإجابة –في الغالب- ستكون ب “لا”. فلم يمنع إسلام الأمازيع أو أهالي النوبة أو القبائل الأفريقة المسلمة في دارفور غرب السودان من إستهداف هذه الأقليات في هوياتها ووجودها، ولم يمنع عنها أذى المجتمع أو الدولة.

والحقيقة إنه طالما أن هناك مجموعة تسمى نفسها أقباطاً وتدعى أن لها أصولاً مختلفة ولديها سمات ثقافية خاصة وتتعرض لمشكلات تخصها وحدها، فلا جدوى من الأفتراضات طالما ظلت هذه الجماعة موجودة تحت هذه المسميات.

ملامح أزمة العقل القبطي

كما قلنا، نحن لسنا بصدد مناقشة أزمات الأقباط المختلفة إنما طرق إدراك وتفكير المجموعات القبطية المؤثرة في  التعامل مع هذه الأزمات. وما نطرحه هنا هو عدد من الأزمات العقلية التى ربما تؤثر في قدرة العقل القبطي على إدراك واقعه والتعامل معه. وقد يختلف القارئ مع هذه الأزمات جميعها أو بعضها وهو إختلاف محمود وأرجوا أن يتحول لفرصة للتفكير في هذه الأزمات والبناء عليها.

أزمة التداخل العقلي بين الكنيسة والأقباط

في رأيي يعد إختزال الأقباط في الكنيسة من أهم أزمات العقل القبطي. فتعريف الكنيسة للأزمة، وبالتالي أولويات المؤسسة الكنسية تختلف عن أولويات ألاقباط رغم ما قد يبدوا من وجود مساحة مشتركة بين الجانبين.

أولوية الكنيسة هي الحفاظ علي الإيمان وليس الحفاظ على الأقباط. لا أقصد هنا بالطبع أن الكنيسة لا يهمها حياة الأقباط أو هلاكهم. ولكن المتابع لتاريخ الكنيسة القبطية المدون ووصولاً حتى الأحدات القريبة، يستطيع أن يرصد أن للكنيسة أولويتين رئيسيتين، الأولى هي الحفاظ على الإيمان الإرثوذوكسي الغير خلقدوني وخصوصيته والثانية هي خلخلة القيود الموجودة على بناء الكنائس. وتعلم الكنيسة أن علاقة جيدة بالدولة تضمن لها إحراز هاتين الأولويتين. وقد أدرك الحكام العرب هذا بدءأ من عمر بن العاص الذي أعاد البابا بنيامين الهارب من المسيحيين الخلقدونيين البيزنطيين الي كرسيه، ووصولاً الى الرئيس السيسي الذي إقتصرت جهوده على علاقة مودة تربطه مع بابا الأقباط  وتقوم على إظهار حسن النوايا من الأول والولاء التام من الأخير وذلك دون إحراز تقدم حقيقي في حقوق المواطنين الأقباط، هذا الوضع الملتبس والخطير بين الكنيسة والدولة يضع مؤسسة الكنيسة أحياناً في وضع حرج أمام شعبها لأنها تختفي في لحظات المحنة بينما تظهر في لحظات التأييد الذي قد يكون مبالغ فيه أحياناً.

أما الأقباط فأولوياتهم حريات مدنية كاملة غير منقوصة (أو هكذا يجب أن تكون) ومواطنة كاملة غير منقوصة وفرص متساوية للعمل في الأجهزة الحساسة وغير الحساسة لا تضع في معايير إختيارها معتقد المتقدم لها. ومساواه كاملة غير منقوصة أمام القانون… كلها أولويات لا تهتم بها الكنيسة بالرغم من أنها تمثل نقاط ألم يعاني منها الأقباط.

ولأن أولى أولويات الكنيسة هي الحفاظ على الإيمان، فأنها لم تر في المحتل العربي تهديدا لوجودها، بينما رأت ذلك في في المحتل الفرنسي والإنجليزي، ولم تتعاطف معهما لأنهما يحملان أفكاراً مسيحية تتعارض مع الإيمان الأرثوذوكسي.

تكمن أزمة العقل القبطي عندما يُوحد بين الكنيسة والأقباط كوحدة واحدة في هذا “التوكيل” الضمني حينا والمعلن حيناً من هؤلاء الأقباط للكنيسة للتصدي لحل مشكلاتهم. وفي هذا أيضاً اشكاليتين.

الإشكالية الأولى هي أن رجال الكنيسة هم الأكثر قبولا وتقبلاً للألم والأقل رغبة في وقدرة على المقاومة. في سن صغيرة، سرت في مدينتى شائعة عن إختفاء فتاتين وتحولهما للإسلام، فتجمع الأقباط الغاضبين للإعتراض، وكان جلهم وأكثرهم نشاطا وإقداماً هم الشباب الغير متدين والغير مواظب على حضور الكنيسة على الإطلاق حتى أن بعضهم لم يكن يعرف إسم أسقف المدينة وكانوا ينادونه ب “القسيس” بدلاً من “أنبا فلان” بينما كان الكهنة والشمامسة المخلصون يحاولون تهدئة الجماهير التى لم تهدأ حتى عادت الفتاتين لإسرتيهما. كم منا حاول الحديث عن الوضع القبطي فواجهه أحد المتدينين بضرورة الصلاة والتقرب من الله بدلاً من توسم الحل في العباد.

الإشكالية الثانية هي إنقسام الشارع القبطي حول الكنيسة بين مقدر “للضغوط” التى تتعرض لها وعرفاناً ب”حكمتها” في التعامل مع الدولة، وبين قطاع يتنامى، خاصة بين الشباب القبطي، بدأ في أعتبار الكنيسة جزءا من المشكلة وبأنها عبء على الأقباط، بل وصل الإحباط ببعضهم الى حد إتهام الكنيسة بخيانة قضاياهم فخسرت الكنيسة ومازالت تخسر من أتباعها بقدر ما يؤمن هؤلاء بفشل الكنيسة في تحمل أمانة “التوكيل”.

أزعم إن هذه الإشكالية هي أهم أسباب مراوحة قضية الأقباط مكانها وستظل تراوح طالما تولت الكنيسة التصدي لمشاكل الأقباط، ليس لأن الكنيسة مفواض غير ماهر، على العكس، فاكنيسة مؤسسة عنيدة وراسخة، راجع مثلا مواجهة البابا شنودة مع دولة مبارك القوية فيما يعرف بأزمة الزواج الثاني ورفضه لحكم القضاء وإعلانه أنه “لا توجد قوة على الأرض تجبره على مخالفة الإنجيل” . … ولكن القضية ستراوح مكانها بسبب الإختلاف في الأولويات كما أسلفنا وبسبب تلك القدرة الهائلة على تحمل الألم وتشجيع المؤمنين على قبوله.

أزمة رؤية بسبب تضليل الدولة

الملمح الثاني الموثر في قدرة النخبة من الأقباط على أدراك الأزمة هو هذا الكم الهائل من التظليل الذي تمارسة الدولة تجاه الأقباط بدءاُ من إنكار مشاكلهم الى إنكار عددهم الحقيقى في الأساس. وبوضع الأقباط تحت “ضغط متوسط مستمر”، تفادت الدولة إتهامات بمسؤوليتها عن مشاكلهم بل وأنكرت هذه المشكلات من الأساس، فأعلام الدولة جاهز للحديث بتعاطف شديد عندما يتعرض الأقباط لعملية إرهابية كما أن هذا الإعلام جاهز دائما للحديث بكرامة عن الكنيسة كمؤسسة وطنية عبر تاريخها، ولكن هذا الإعلام يواجه بشراسة أي محاولة جادة لطرح مشاكل الأقباط للحوار. وفي حين يتعاطف الإعلام الرسمي مع حوادث الإرهاب الموجهة ضد الأقباط، إلا أنه يتجاهل تماما أحداث الإستهداف المجتمعي لهم ويقوم بالتعتيم عليها لأن الدولة غير راغبة في التعامل مع هذه الأزمات بعدل وحيادية. ولهذا ينخدع العقل القبطي بهذا الضغط المتوسط المستمر وكأنه غير موجود. ومع الوقت، يخضع لهذا التضليل العقلي من جهة الدولة،  بل يرى الكثيرون في الكرامة التى تمنحها السلطة للكنيسة دليلاً على جهد تبدله الدولة -رغم كثرة مشاغلها- ومناسبة للإمتنان لما تقدمه للأقباط حتى وإن إقترب هذا فعليا من ال “لا شيئ”. هذا التضليل الذكي الذي تمارسه الدولة ببراعة، مهما إختلفت الأنظمة، يجعل من الصعب إستقطاب جماهير واعية بحقيقة واقعها البائس المزيف، وهو الإستقطاب المطلوب من أجل إحداث أي ضغط ذو قيمة يجبر الدولة على إتخاذ موقف إيجابي مغاير.

أزمة القيم المؤسِسة للشخصية القبطية

الملمح الثالث الذي يؤثر في قدرة العقل القبطي على إدراك أزماته هي القيم الأخلاقية المؤسِسة للشخصية القبطية. فعبر التاريخ القبطي المصري، تمكن القبطي من تبني منظومة قيمية تساعده على التعايش مع محتلين قساة مارسوا عليه درجات مختلفة من الإجرام والتنكيل. وببراجماتية فريدة، تجنب القبطي إتخاذ المقاومة سبيلا، ربما بسبب عنف المحتل وجبروته، وربما إعترافاً ضمنيا بإستحالة كسب معركة القوة إن هي بدأت. وتعويضا عن قرار التقاعس الجماعى هذا، طور الأقباط “مسيحية مصرية” خاصة تعلي من قيم المحبة وتحمل الألم “الصليب”، والهروب من العالم الفاني وإنتظار حسن المجازاة وذلك في مقابل قيم تم تجاهلها عن قصد مثل قيم الكرامة والعدل والحق في الحياة. وأنا هنا لا أطعن في صدق من يتبنى منظومة القيم هذه طالما تبناها عن إقتناع وإيمان، ولكن الخطير هو تحول هذه القيم من قيم فردية يتبناها الشخص حسب حالته الروحية والإيمانية الى قيم جماعية نقيس عليها تقوى المؤمنين. وهنا يقع العقل القبطي في أزمة الشعوب بالذنب إن هو حاول تخطي هذه القيم، فالمطالبة بحقوق متساوية يعد ضد قيمة الغربة عن العالم، والسعي الى العدل هو رفض “للصليب”. ومقاومة الظلم هو في الحقية مقاومة لخطة الله لحياتك كمؤمن.

أزمة قوة تأثير التاريخ في مقابل ضعف تأثير الواقع

مما يؤثر أيضا في قدرة العقل القبطي على إدراك أزمته هو ذلك التراث الضخم من القصص التاريخية “القبطية” التى إستباحت وإستراحت لوضع الأقباط ك “أهل ذمة” في دولة إسلامية، كما كانوا قبلها مواطنين من الدرجة الثانية في الدولة الرومانية. ففي إطار يومي، يحكي السنكسار قصصاً لشهداء وقديسين وبطاركة أقباطاً عانوا أو “إستراحوا” تحت رحمة حكام ما. وفي هذا السياق، يبدوا للعقل القبطي أن ما يمر به الأن هو مجرد فصل أخر من فصول السنكسار. في هذا السياق التاريخي الذي توقف عند زمن الخلافة العثمانية، يبدوا مفهوم المواطنة في العقلية القبطية مشوشاً بفعل هذه القصص اليومية, ويبدوا الرئيس السيسي (مثلا) والياً صالحاً، ففي زمنه حرقت جماعة الأخوان المسلمين كنائس الأقباط فأمر بإصلاحها وإعاذة بناء ما تهدم منها، كما إحتفل الوالي مع القبط وبطركهم بعيد الميلاد كل عام وفي وقته نعمت الكنيسة بسلام . هذا ما قد يذكره التاريخ الكنسي –في إتساق مع السرد التاريخي- عن هذه الحقبة. وهو خطر داهم لأن هذا الأنحسار في الماضي يتجاهل مئات السنوات من المكتسبات الحضارية التى أحرزها العالم من مجالات المساواة والمواطنة وحقوق الإنسان، كما أن هذا التوقف العقلى عند قوة التاريخ، يعكس ضعف تاثير الواقع بما فيه من لحظية تبادل الأخبار، وتأثير وسائل الإتصال الجماهير، وحال موازين القوى العالمية.. الخ في العقلية القبطية، ويؤدي ضعف تأثير الواقع في الذهنية القبطية لعدم القدرة على فهم أن العصر غير العصر، وأن هذه المتغيرات هي فرصة لفرض قراءة مختلفة للواقع تجعل هناك مساحة لإحراز نجاحات حقيقية في طريق الكفاح من أجل المساواة.

في النهاية، لن ترى في هذا المقال إجاباتاً ولا حلولاً، لأن طرح إجابات يعكس ضمناً أن المتلقي يتفق معى في ملامح أزمة العقل القبطي، بل في وجود أزمة من الأساس، وهو أفتراض لا أريد أن أدعيه، فالهدف هو إثارة الأسئلة كمقدمة لمناقشة غير تقليلدية للأزمة ونقد ذاتي لحالتنا الراهنة التى يبدوا أن لنا دور رئيسي فيها.

___________________
http://www.good-news.ca/4571