سليمان شفيق ـ الأقباط متحدون ـ

لا يمكن إدراك وفهم المجلس الملي دون ادراك ما يحدث في الوطن ، ولا يمكن ادراك مايحدث في الوطن دون ادراك مايحدث في الكنيسة العتيدة ، منذ 1873وحتي نهاية 2017، ما يقارب القرن ونصف القرن  ، سبعة بابوات (كيرلس الخامس ، يوانس التاسع عشر ، مكاريوس الثالث ، يوساب الثاني، كيرلس السادس ، شنودة الثالث ، تواضروس الثاني)و18 مجلسا مليا ، ولم تخلوا دورة للمجالس الملية من مشكلات وخلافات بين الاكليروس والعلمانيين الا في عهد البابا المتنيح شنودة الثالث ، ويعود ذلك الي رسامة الاعضاء الموقرين شمامسة ، ومن ثم عملوا ليس بصفتهم علمانيين بل درجة ادني من الاكليروس !!   ولذلك كانت دورات المجلس الملي المتعاقبة في حبرية البابا المتنيح شنودة الثاني تخلوا من أي نزاع ، مجرد ألية تنفيذية للاكليروس ، اصدار بيانات وفقط ، حتي ان انتخابات المجالس في حبريتة كانت تتم بقوائم متفق عليها مع المقر البابوي ،

ولذلك يكاد يكون دور المجلس الملي قد افرغ من مضمونة بعد ثورة يوليو 1952 بشكل موضوعي ، ومن غلبة اليبراليين وكبار الملاك علي عضويتة من 1873 وحتي 1952 ، الي كبار الموظفين ورجال الدولة والتكنوقراط بعد 1952 ، الي متغيرات كبري حدثت للنخب القبطية بعد ثورة 25 يناير 2011، حيث لم تعد النخب لا كبار ملاك ولا تكنوقراط بل ابناء الفئات الوسطي والدنيا من الطبقة الوسطي ، ثواروخدام ، ابناء ثورة الاتصالات وليسوا ابناء الثورة الزراعية، ثوار كسروا منهج ومفهوم الابوية  هذة المعطيات والمتغيرات انعكست علي المجلس الملي حتي ان البابا تواضروس صرح في اكثر من حديث بأنة لايرتاح لاسم “المجلس الملي” ومن المؤكد ان البابا علي حق لاننا لا نعيش الان في العصر الذي نصنف فية ك”ملة” ، بل نعيش في عصر المواطنة ، ولذلك كلة ووفق كل ماذكر فأن العمر الافتراضي للمجلس الملي شكلا وموضوعا ، الاسم والمهام والتركيب الاجتماعي ، كل ذلك انتهي عمرة الافتراضي ، واصبح الحديث عن “المجلس الملي” بشكلة القديم كمن يدخل الكنيسة بالطربوش العثمانلي !!

تأسس المجلس الملي بعد ان انتقلت رياح التغيير من الوطن الي الكنيسة العتيدة ، في 1872، وانتخب اعضاؤه في 16 يناير 1874، وأختير بطرس غالي باشا وكيلا للمجلس حيث كانت الرئاسة للبطريرك، وأصدر الخديوي أمره باعتماد تشكيله، وبدأ المجلس يباشر مهامه في فبراير 1874، وهو الذي إختار كيرلس الخامس بطريركا خلفا لديمتروس في عام 1875، ورأى كيرلس الخامس أن المجلس يمثل اعتداء على سلطاته فحل المجلس في 1875، وسعى بطرس غالي لدى الدولة في هذا الشأن حتى صدر الأمر العالي في 13 مارس 1883 بتشكيل المجلس الملي مرة أخرى، وأعيد انتخاب بطرس غالي وكيلا له في 14 مايو 1883.   ونصت لائحة المجلس الملي على أن يشكل المجلس للنظر في كافة المصالح الداخلية للأقباط، وأن يختص بحصر اوقاف الكنائس والاديرة والمدارس وجمع حججها ومستنداتها وتنظيم حسابات الايراد والمنصرق وحفظ الارصدة وأن يكون من واجبه ادارة المدارس والمطبعة ومساعدة الفقراء، وحصر الكنائس وقساوستها والاديرة ورهبانها والامتعة والسجلات الموجودة بهذه الجهات، وذلك فضلا عن اعتباره محكمة للأحوال الشخصية للأقباط تنظر منازعات الزواج والطلاق وغيرها، ويكون تشكيل المجلس من 12 عضوا يكونوا المجلس، و12 نائبا يضافوا الي الاعضاء لتكوين الجمعية العمومية له، وينتخب الاعضاء والنواب 150 ناخبا، ويكون البطريرك هو رئيس الاجتماع الانتخابي، كما تكون له رئاسة المجلس الملي ذاته على أن ينتخب وكيل للمجلس من أعضاءه يقوم مقام الرئيس عند غيابه، ومدة العضوية والنيابة في المجلس 5 سنوات تجدد بعدها الانتخابات.

، ورفض المطارنة المجلس وأصدروا بيانا يؤكدون فيه أن المجلس مخالفة للأوامر الإلهية والنصوص الرسولية.   وأعلن كيرلس الخامس رفضه للائحة، وعندما اراد المجلس تجديد انتخاب أعضائه في 1891، رفض البطريرك ،فطلب المجلس من الحكومة نفي البطريرك، فنفي إلى دير البراموس بوادي النطرون، ونفي مساعده ووكيله الانبا يؤانس(البطريرك الذي خلف كيرلس الخامس فيما بعد نياحتة) الى دير الانبا بولا بالصحراء الشرقية ودام نفيهما قرابة العام حتى اعادتهما وزارة رياض باشا في 4 فبراير 1893، والتفت حوله الجماهير بما فيهم أغلب خصومه، ولم يعد البطريرك مهزوما بل أكثر تشددا، فقبل العمل بلائحة 1883 بشرط أن تؤلف لجنة ملية تعمل بجواره بدلا من المجلس المنتخب، وبذلك نسف البطريرك جوهر اللائحة، واستمرت الأوضاع على هذا المنوال ما يقرب من إثني عشر عاما.

بل ويمكن القول ان الصراع بين العلمانيين والاكليروس حول لائحة المجلس الملي استمر حتي ثورة 1952 ، وماتلاها من صراع مابين البابا كيرلس السادس (1959/1970) واغلاقة للمجلس الملي وحلة ثم البابا شنودة الثالث (1970/2012) الذي لم يجد سوي حلا اكليروسيا حينما رسم اعضاء المجلس شمامسة .. فحولهم من علمانيين الي درجة اكليروسية ادني !!   أحدثت ثورة يوليو 1952 تغييرات عميقة ألقت بظلالها على الصراع التلقليدي بين الكنيسة والمجلس الملي، حيث وحد القضاء والغيت المحاكم الشرعية والوظيفة القاضائية للمجلس الملي، أما عن أوقاف الكنيسة والأديرة، فقد صدر قانون الإصلاح الزراعي وقانون حل الأوقاف الأهلية الصادران في 9 سبتمبر 1952، ولم يؤثر ذلك بداية على أوقاف الكنيسة لأنها أوقاف خيرية، ولكن صدر قانون أخر في يوليو 1957 يستبدل الأوقاف الخيرية كلها بسندات على الحكومة وقد شكا الأقباط من الاستيلاء على أوقاف الأديرة والكنائس مما دفع الحكومة لاصدار قانون جديد ولكن على نطاق مائتي فدان فقط بالنسبة لكل الكنائس والاديرة الموقوف عليها، ثم نشأت هيئة عامة للإشراف على الأوقاف القبطية، ولم يبق للمجلس الملي من دور في ظل ثورة يوليو 1952،

وبعد كل هذه المتغيرات وبعد ما يقرب 84 عاما من الصراع على اللائحة، وفي هذه الفترة اعيد تشكيل المجلس الملي بعد إلغاء الأحكام العرفية في صيف 1956، وجاء وكيله اسكندر حنا دميان وسكرتيره العام راغب اسكندر، وكان الأنبا يوساب الثاني لازال على قيد الحياة.   بعد إعتلاء الانبا كيرلس السادس كرسي مارمرقس، لم يجد المجلس الملي بعد سحب جميع اختصاصاته من يمارس معه الصراع سوى الانبا كيرلس ذاته.   وكانت الصلاة هي أكثر ما يشغل البابا كيرلس السادس، فكان كثير الذهاب الى الصلاة وكان يقيمها بنفسه، بعكس اسلافه الذين انشغلوا عن الصلاة بامور الكنيسة الاخرى، وقد هاجمت صحيفة “مصر” البابا كيرلس هجوما شديدا وكتبت تقول “لقد أمل الأقباط في البابا خيرا عظيما، ولكن مرت الأيام وقداسته في شغل شاغل بما يقام له من أقواس النصر وهو في طريقه الى الكنائس، أما شئون الشعب فلم يتسع لها وقته ولم تحظ بأي اهتمام أو يعيرها أي التفات، وسخرت الصحيفة من صلاواته ومعجزاته”

وهكذا فقد ناصب المجلس الملى العداء السافر للبابا كيرلس السادس خاصة بعد ادعاء المجلس الملي على عدم القدرة على الانفاق على البطريركية والكنيسة واضطر ازاء ذلك الى الاستدانة من “جمعية التوفيق القبطية” ألفي جنيه ليدفع مرتبات الكهنة والموظفين، ثم توقف بعد ذلك عن دفع الاجور الزهيدة لهم في ذلك الوقت، وازاء ذلك توجه البابا كيرلس السادس الى الرئيس جمال عبد الناصر وعرض عليه الامر، فأمر عبد الناصر بصرف تبرع من الدولة للكنيسة بمبلغ عشرة الاف جنيه مصري مع حل المجلس الملي الذي ثبت فشله مع تشكيل لجنة برئاسة البابا كيرلس عام 1967 لادارة اوقاف الكنيسة، وكانت نتيجة ذلك أن عبرت البطريركية ديونها بل وارتفع رصيدها الى 150 الف جنيه خلال عامين، واستمر المجلس محلولا الى ان اعاده البابا شنودة الثالث بعد تنصيبه بطريركا في 1971.

واستمر الصراع بين الاكليروس والمجالس الملية المتعاقبة مايربو الي قرن وربع القرن من الزمان حتي المجلس الملي “المتأكرس” ، نسبة الي سيامتهم شمامسة ، وحول دورتية الاخيرتين يقول :المهندس يوسف سيدهم عضو المجلس الملي للدورتين الاخرتين ،ورئيس تحرير جريدة وطني :   ـ يختص المجلس الملى بالنواحى الإدارية وغير الدينية فى حياة الكنيسة , فيدير وينظر كل ما يتعلق بالأوقاف الخيرية والمدارس والكنائس والمطابع القبطية والمعونات للفقراء والمعوزين , وينظم حياة الكنيسة وحياة الرهبان فى الديرة وسجلات الزواج والتعميد والوفاة . ـ أجازت اللائحة أيضاً تشكيل مجالس ملية فرعية , يتولى رئاسة كل مجلس الأسقف أو الرئيس الروحى فى الجهة المعنية، وينتخب الأعضاء بنفس الطريقة التى ينتخب بها المجلس العام.   ويتولى المجلس الملي مهامه لمدة 6 سنوات،

والمجلس الحالي هو المجلس المنتخب في عام 2006، ووفق اللائحة الحاكمة للمجلس الملي فإن البابا يتولى التنسيق مع الدولة ممثلة في وزارة الداخلية من أجل اجراء انتخابات للمجلس الملي، وعقب إجراء الإنتخابات ترفع وزارة الداخلية تقريرها إلى رئيس الجمهورية يتضمن أسماء الـ 24 عضوا للمجلس الملي ليصدق رئيس الجمهورية على قرار تعينهم، والمجلس الحالي بالرغم من إنتهاء مدته في عام 2012 الا ان اللائحة تنص على أنه إذا امتنع البابا عن مباشرة الترتيبات الخاصة بإنتخاب مجلس ملي جديد لأي سبب من الأسباب، فإن المجلس القائم يظل له كل صلاحياته حتى إنتخاب مجلس جديد، وقد كانت وفاة البابا شنودة الثالث في مارس 2012 حائلا دون إجراء إنتخابات للمجلس الملي.

وقد صرح البابا تواضروس بأن لائحة إنتخاب المجلس الملي في حاجة إلى إعادة النظر بها وخاصة في أمرين وهما:   ــــ الاشتراطات الواجب توافرها في المرشح لتتواكب مع العصر.   ــــ توسيع دائرة الناخبين لتعكس مشاركة جموع الأقباط.   أما ما يثار بين الحين والأخر عن تعديل لائحة المجلس الملي لتسمح بوجود دور سياسي للمجلس الملي فهو عار من الصحة لما يتضمنه من مخاطر من شأنها تكريس الطائفية في المجتمع المصري.

خاتمة:   ومن ثم المطلوب اعادة النظر في مجمل علاقة الكنيسة بالعلمانيين ، وبالمسألة التمثيلية ، وبأسم ومهمة ولائحة هذا المجلس ، وقاعدة الناخبين ، ومكانة الشباب ، ليس أحد يجعل رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق لأن الملء يأخذ من الثوب فيصير الخرق اردا. ولا يجعلون خمرا جديدة في زقاق عتيقة لئلا تنشق الزقاق فالخمر تنصب والزقاق تتلف بل يجعلون خمرا جديدة في زقاق جديدة فتحفظ جميعا. (مر 2 ــ 18: 22) لذلك لابد من عقد مؤتمرا موسعا علميا تناقش فية حزمة من الاوراق والافكار من اجل وضع الخمرة الجديدة في زق جديد.

ـــــــــــــ

 http://www.copts-united.com/Article.php?I=3213&A=352928#