كارولين كامل ـ الشروق ـ

“طيب خلونا نصقف علي طول بقي.. اسمعوا بس.. خلوني أقول الكلمتين اللى نفسي أقولهم.. اسمعوني” هكذا طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال إلقائه كلمة التهنئة في صلاة قداس ليلة عيد الميلاد في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، من المسيحيين أن يعطوه فرصة للانتهاء من كلمته، حيث قاطعوه أكثر من مرة بالهتاف والتصفيق والزغاريد والصفارات ولم ينقصهم للأجواء الاحتفالية سوي “الفوفوزلا” للتأكيد علي بهجتهم.

ردد السيسي أكثر من 3 مرات رجائه “اسمعوني” طالباً أن يسود الهدوء قليلاً حتى لا يتشتت وينتهي من كلمته، فللأسف كل ما يفتح فاه ليتحدث ينتفض المسيحيون بالتصفيق، وبعد جولة طويلة من الزغاريد والتصفيق والهتاف “تحيا السيسي” قال مازحاً “قداسة البابا كدة هيزعل”، وبالطبع يقصد أن البابا تواضروس سوف يستاء من إهانة الكنيسة بهذا الكم الهائل من الاحتفال الذي لا يليق بدور عبادة.

لا أعرف لماذا تذكرت حفلات الست أم كلثوم عندما كان الجمهور ينخرط في موجة من التصفيق لجملة أعادتها الست أو “آهه” خرجت من حنجرتها مدوية، إلا أنه رغم “السلطنة” كان يعرف متى يتوقف لتُكمل الست غنائها ولا تفقد حالة الاندماج، ولكن يبدو أن المسيحيون “مبيعرفوش يوجفوها”، وفي المرات القادمة أظن أنهم في حاجة لتلك اللافتات الإرشادية التي تُستخدم في البرامج المسجلة في استوديوهات بحضور جمهور ليعرفوا متي يبدءوا “الترحيب” ومتى عليهم التوقف.

أتذكر أن أسقف المحلة الكبري الأنبا متياس الذي نشأت في فترة جلوسه علي كرسي إيبارشية المحلة وتوابعها، كان يرفض طقس الاحتفاء بدخوله الكنيسة، وهو طقس كنسي متبع عند دخول أي أسقف أو رتبه كنسية كبيرة بأن تدق الأجراس “فرايحي”، ويردد الشمامسة لحن “أبؤرو” وهو أكثر ألحان الكنيسة بهجة ويستخدم في طقوس الزفاف والأعياد، وينص الطقس علي أن يتم هذا الاحتفال حتى وأن كانت الكنيسة في خضم صلاة قداس مثلاً.

وكان مبرر الأنبا متياس أنه لا يليق أن يكون المسيحيين في حضرة الرب داخل الكنيسة ثم فجأة يضطربون ويهللون فرحاً لزيارة إنسان أي كانت رتبته، والانشغال به ونسيان ما أتوا لرؤيته والكلام معه حقاً وهو الله، وما كان لهذا الرجل المحترم سوي اضطهاد الأنبا بيشوي له ومطاردته وتلفيق التهم التي لم يتم إثباتها وبالتالي لم ترد عنه رتبته الكنسية ولكنها أطاحت به ونقلته لُيكمل خدمته في الولايات المتحدة بعيداً عن ابارشيته وعنا نحن الشباب الذين تعلمنا منه معني الاتضاع الحقيقي.

لم أنكر أني شعرت ببهجة العام الماضي لزيارة الرئيس السيسي للكاتدرائية، واستغرب من يعرفوني لأني لم أصوت في الانتخابات الرئاسية، وبالرغم من حالة “الهرج” التي شهدتها الكنيسة إلا أني التمست العذر حينها، مبررة أن المسيحيون في مصر بطبعهم ينتظرون أي بادرة من أي حاكم ليشعروا بأحقية وجودهم في بلدهم، واحتياجهم لمباركته لهم وكأنها منحة يُضفي بها شرعية لمواطنتهم.

بالإضافة إلي ما شهدته الكنائس في هذه الفترة وما قبلها وما حدث في مصر بصورة عامة، وفي 2016 جاءت زيارة السيسي للكاتدرائية مبهجة لي مرة أخري فهو يبدو وكأنه يريد إرساء طقس إنساني لطيف، ولكن ما فعله المسيحيون مُخزي ومُخجل .

يقول الكتاب المقدس “دخل يسوع إلى هيكل الله واخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، وقال لهم: مكتوب: بيتي بيت الصلاة يدعى!”، إنجيل متي 21: 21 – 13، لم يكن في الهيكل سوي أبنائه والمشتغلين بأروقته، رغم أن تواجدهم لبيع هذه الأضاحي ضروري لإتمام طقس الصلاة، ولكنه بمرور الوقت تحول لساحة و”سوق” حيث تتجلي أسوأ ما في البشر من خصال أبرزها التملق والمبالغة والاستهتار بالقيم، وهو ما رأيته جلياً في صلاة قداس ليلة عيد الميلاد في الكاتدرائية بالعباسية، وبرع فيه المسيحيون بجدارة ودون سابق تخطيط علي ما أظن.

ظلت “الهمهمة” تسري في كنيستي الصغيرة بعد خبر دخول السيسي الكاتدرائية، واحتلت السياسة حوار الجميع، ولا أتصور أن الكاتدرائية حتى نهاية القداس خلت من هذه الأحاديث وتحليل الزيارة، وإعادة كلمات الرئيس كلمة كلمة علي مسامع البعض همساً وكأن كل واحد قد سمع شئ مختلف ويريد توضيحه، ومن استطاع التقاط صورة تذكارية.

ناهيك عن تحليل شخصية الرئيس ذاته وكيف كان هندامه مُثير ومحبب، كما سبق وقال أحد رجال الدين الأجلاء أن للسيسي سحر خاص علي النساء، وربما تحدث البعض عن الهالة النورانية التي شاهدوها مدينين لأسقف مبجل سبق وقال إن دخول السيسي للكنيسة بمثابة دخول المسيح للكنيسة، ونشكر الرب أن المسيح أخيراً وبعد 2016 سنة من الغياب قرر دخول الكنيسة علي غرار دخول الإسلام مصر مع مرسي وتندر الجميع بما فيهم المسيحيين علي التشبيه، الذين ما أن خرج منهم لم يعد مقبول انتقاده والتهكم علي قائليه بحجة أنهم رجال دين.

يقول الكتاب المقدس في إنجيل متي “لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم”، وهي الآية المحببة للمسحيين خاصة رافضي النقد والنصح ومشجعي عدم التفكير، فعلياً أنا لا أدين أحد ولكن من حقي انتقاد مؤسسة تمثلني علي المستوي السياسي رغم أن دورها المنوط بها هو دور روحي وهو ما انتظره منها.

للأسف حتى وأن ادعينا أن مصر دولة ليست دينية فأننا في الحقيقة نحتاج لوقت طويل لنعرف كيف نفصل الدين عن الدولة، سواء الإسلامي أو المسيحي، فالكنيسة للأسف أجُبرت أن تلعب دور المسئولة عن حقوق الأقباط كمواطنين وتتحدث باسمنا رغما عنا، الأمر الذي نال إعجاب رجال الدين وشريحة كبيرة من المسيحيين بمرور الوقت وباركت الدولة هذا الدور وضخمته بل ودفعت الكنيسة أكثر لتُحكم قبضتها علي زمام أمور أبنائها.

سيدي الرئيس شكراً لزيارتك المُبهجة للكنيسة، وعذرا لما تكبدته من محاولات لإنهاء كلمتك دون تشتيت ومقاطعة المسيحيين لك أكثر من مرة بصورة فجة وأن كانت مُزينه بالزغاريد والهتاف والصفارة والتصفيق، المسيحيون ليسوا مهرجون أو مبتذلون ولكن يبدو أن من فرط “عشق” رواد الكاتدرائية لك تناسوا أبسط قواعد الاحترام وهي الإنصات للنهاية ثم التعبير عن فرحتهم وامتنانهم وفي الوقت نفسه بصورة تليق بكرامة وقداسة بيت الله

__________________
http://www.shorouknews.com/news/view.aspx?cdate=13012016&id=ee1c3b2e-de2e-472e-84eb-22cab73c27cd